مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

حين تتكلم الأيادي… تكتب حكاية وطن




في سكون الفجر، وقبل أن تمد الشمس خيوطها الذهبية لتوقظ الكون، يلوح في الأفق نور من نوع آخر؛ إنه نور العزيمة والإرادة الذي يشعه ملايين البشر وهم يستعدون لاستقبال يوم جديد. هؤلاء هم صناع الحياة، ومهندسو الوجود، والنبض الحقيقي الذي يسري في عروق الأرض ليحييها، وعندما نتأمل العالم من حولنا، بدءاً من ناطحات السحاب التي تعانق السماء، مروراً بالحقول الخضراء التي كانت يوماً صحاري قاحلة، وصولاً إلى الآلات المعقدة التي تدير عجلة الحضارة الحديثة، ندرك يقيناً أن هذا كله لم ينشأ بسحر ساحر، إنها التجلي الأعظم للجهد البشري، والترجمة الحرفية لحقيقة راسخة مفادها أنه حين تتكلم الأيادي… تكتب حكاية وطن، هذه العبارة هي الوصف الأدق والأعمق للعلاقة الأبدية بين المواطن وتراب أرضه.
ومع تقليب أوراق التقويم للإعلان عن حلول الأول من مايو، يقف العالم بأسره وقفة إجلال واحترام ليحتفل بعيد العمال، هذا اليوم ليس مجرد عطلة رسمية هو أنشودة شكر عالمية، ولحظة اعتراف بفضل السواعد المفتولة، والجباه المكللة بالعرق، والأرواح الوثابة التي لا تعرف للوهن طريقاً، في هذا اليوم تحتفل الأوطان بقوها الاقتصادية وبجوهرها وعصب وجودها، فكل طرقة مطرقة، وكل بذرة تغرس في طين الأرض، وكل سطر برمجي يكتب، وكل لبنة توضع في جدار، هي في حقيقتها أبجدية تصاغ بها الملحمة الكبرى لتقدم الأمم، إن الاحتفاء بعيد العمال هو تأكيد متجدد على أن الثروة الحقيقية لأي أمة تمشي على أرضها متمثلة في طبقتها العاملة المخلصة.
وسنجد أن قصة الحضارة الإنسانية هي قصة العمل والعمال تقف الإنجازات العظيمة لأجدادنا كشواهد أبدية على قدرة اليد العاملة على صنع المعجزات، فالأهرامات الشامخة في الجيزة، والمعابد المهيبة في الأقصر، والقلاع الحصينة التي تحرس الثغور، لم تبن بمجرد مراسيم ملكية أو أوامر سيادية، بل شُيدت بالتفاني المطلق لآلاف العمال الذين قد تكون أسماؤهم سقطت من بطون الكتب، لكن أثرهم ظل خالداً يتحدى الزمن، لقد نحتوا الجبال، وروضوا أعند الأنهار، وحولوا الصخور الصماء إلى فن ينطق بالحياة، هذا الامتداد التاريخي يتدفق بسلاسة إلى العصر الحديث؛ فالروح ذاتها التي رفعت المسلات هي التي شيدت السد العالي، وهي التي حفرت قناة السويس، وهي التي تواصل اليوم بناء المدن الجديدة والجسور العملاقة، فالعامل المعاصر هو وريث شرعي لسلالة من العظماء، يحمل في جيناته الشيفرة الوراثية للصمود والابتكار.
إن سيمفونية العمل الوطني تتألف من آلات متنوعة، تعزف كل منها لحناً منفرداً يتناغم مع البقية ليصنعوا معاً لحن البقاء والازدهار، دعونا نوجه أنظارنا نحو الفلاح، ذلك الحارس الأبدي للأرض، بيديه الخشنتين من طين الحقل، ووجهه الذي لوحته شمس الظهيرة، يخوض حواراً يومياً مع الطبيعة الأم، يستنطق الحياة من قلب التراب، ليضمن امتلاء صوامع الوطن وتلبية احتياجات أبنائه، وعلى الجانب الآخر، وفي قلب المناطق الصناعية، وسط زئير المحركات وحرارة الأفران اللافحة، يقف العامل للإنتاج، يطوع الحديد، ينسج الخيوط، ويجمع أجزاء الآلات التي تيسر حياتنا اليومية، فإن الطنين الإيقاعي للآلات في المصانع هو دقات قلب الاقتصاد النابض، والذي يتحرك بفضل تركيز ومهارة ودقة هذا العامل الصناعي الذي لا يكل.
بيد أن تعريف اليد العاملة يتسع ليشمل آفاقاً أبعد بكثير من مجرد المجهود العضلي والشاق؛ فهو يضم كل جهد يبذل من أجل الارتقاء بالمجتمع وتطويره، فيدا الطبيب الجراح التي تجري أدق العمليات لإنقاذ روح تتأرجح على حافة الموت، هي أياد عاملة بامتياز، ويدا المعلم الذي يمسك بطبشور أو قلم ذكي ليضيء به عقول الأجيال القادمة ويمحو عنهم ظلام الجهل، هي أياد عاملة تبني العقول قبل أن تبنى الجدران، والمهندس الذي يخطط لبنية تحتية مستدامة، والعالم الذي يحدق في المجهر بحثاً عن دواء لداء مستعص، والفنان الذي يوثق وجدان الأمة بفرشاته، والمبرمج الذي يؤسس المعمار الرقمي للمستقبل؛ جميعهم أبطال لا غنى عنهم في روايتنا الوطنية، إن جهدهم الفكري، متضافراً مع التنفيذ الميداني، يوفر نظاماً بيئياً متكاملاً للتقدم، حيث تحظى كل مهنة، مهما كانت طبيعتها، بقدسية وقيمة لا تقدر بثمن.
وفي تراثنا الثقافي والديني يرتقي العمل ليحتل مرتبة الفريضة المقدسة والعبادة الخالصة، فالعمل هو تحقيق للغاية الوجودية للإنسان في إعمار الأرض، وقد تواترت الرسائل السماوية والحكم المأثورة على إجلال العامل، معلنةً أن اليد التي تعمل وتكدح هي يد يحبها الله ورسوله، وأنها محرمة على النار، وهذا البعد الروحي العظيم يضفي على المشقة اليومية معنى سامياً، ويحول التعب والإرهاق بعد يوم عمل طويل إلى وسام شرف، وقطرات العرق إلى رموز للطهارة والعفة، وعندما يخرج الإنسان سعياً وراء رزق حلال، ليكفي أهل بيته، ويساهم في نماء مجتمعه، ويبني وطنه، فإنه يمارس أرقى أشكال المسؤولية المدنية والروحية، ومن ثم تحمي هذه النظرة الفلسفية والدينية كرامة العمل، وتضمن ألا ينظر إلى أي جهد شريف نظرة انتقاص أو تهميش.
ويجب ألا نغفل أن طريق العامل مسيرة محفوفة بالتحديات والصعاب والضغوط الاقتصادية، فضلاً عن الإرهاق الجسدي والنفسي، كما يفرض العالم المعاصر بتعقيداته وعولمته، مجموعة فريدة من الأزمات، بدءاً من التقلبات الاقتصادية الحادة والتضخم، وصولاً إلى التهديد المستمر باندثار بعض المهن التقليدية، ولكن، في خضم هذه المحن تظهر المعادن الأصيلة للقوى العاملة فعندما تضرب الأزمات، يكون الإصرار الجماعي للطبقة العاملة هو الحاجز المنيع الذي يمهد طريق التعافي، كما إن قدرتهم على التكيف، وتعلم مهارات جديدة، والمثابرة رغم كل العوائق، هي صمام الأمان الاستراتيجي لاستقرار الأوطان، ومن واجبنا أن ندرك ونقدر تلك المعارك الصامتة التي يخوضونها كل يوم لتوفير لقمة العيش الكريمة ولإبقاء عجلات الإنتاج دائرة بلا توقف.
ونحن نقف اليوم على أعتاب عصر جديد تهيمن عليه تقنيات الذكاء الاصطناعي، والأتمتة، والتطور التكنولوجي المتسارع، يشهد مفهوم العمل ذاته تحولاً جذرياً غير مسبوق، قد يتخوف البعض من أن الآلة ستلغي دور اليد البشرية وتحل محلها بالكامل، غير أن دروس التاريخ تؤكد لنا أن الأدوات قد تتطور وتتبدل، لكن الحاجة الماسة للإبداع البشري تظل ثابتة لا تتغير، فالأيدي التي كانت تمسك بالمحراث البدائي أصبحت اليوم تدير طائرات زراعية مسيرة فائقة الدقة، والأيدي التي كانت تقوم بتجميع الأجزاء يدوياً باتت تبرمج أذرعاً روبوتية معقدة، إن التكنولوجيا ليست بديلاً للعامل، إنما هي مضاعف لقدراته وإمكانياته فالمستقبل المشرق سيكون من نصيب المجتمع الذي يستثمر في رأس ماله البشري، ويسلح عماله بالعلم والتدريب المستمر لإتقان لغة هذا العصر المتقدم، فروح المنتج، والضمير الأخلاقي للخدمة، والشرارة الأولى للابتكار، ستظل دائماً وأبداً في حاجة إلى اللمسة الإنسانية التي لا يمكن استنساخها.
ويتطلب احتفالاتنا بعيد العمال، التزاماً حقيقياً وملموساً بحماية حقوق العمال، وضمان أجور عادلة تتناسب مع متطلبات الحياة، وتوفير بيئات عمل آمنة وصحية، وتقديم مظلة حماية اجتماعية قوية تقيهم غدر الزمان، فالأمة التي تحترم عمالها حقاً هي التي تؤمن حاضرهم وتضمن مستقبلهم ومستقبل أبنائهم، إنه اليوم المناسب لغرس قيمة إتقان العمل في نفوس أجيالنا الشابة، وتعليمهم أن النجاح الحقيقي يأتي بالجد والاجتهاد والنزاهة، هو يوم ننظر فيه حولنا بامتنان ونعترف بفضل ذلك الجيش غير المرئي من الرجال والنساء الذين يحافظون على نظافة شوارعنا، ويضمنون استمرار العمل في مستشفياتنا، وتوافر السلع في أسواقنا، وأمن حدودنا، هؤلاء هم الأبطال المجهولون الذين يشكل روتين حياتهم اليومي حجر الأساس لأمننا القومي ورخائنا الشامل.
إن نسيج أي أمة لا يحاك إلا بخيوط الجهد الفردي المتراكم لملايين المخلصين، كل قطرة عرق تسقط على جبين عامل هي قطرة حبر تُكتب بها صفحات مجدنا، وكل يد خشنة هي قلم يسطر فصول مصيرنا المشترك. فلننحنِ احتراماً وإجلالاً لكل عامل شريف، في أي موقع من مواقع العطاء، ينهض مع تباشير الصباح ليبني غداً أفضل لمن حوله، ولنتذكر دائماً أن قوة أي بلد تقاس بالأساس بإنتاجية أبنائها وتفانيهم، إن الصرح الشامخ للوطن يرتفع ويثبت لأنه يستند إلى أكتاف عريضة وسواعد متينة لا تلين، وما دامت هناك أياد مستعدة للبناء، وعقول تتوق للابتكار، وقلوب تنبض بحب الخير العام، فإن الغد سيكون دائماً أجمل وأكثر إشراقاً، لأنها ببساطة، حقيقة أبدية لا تقبل الجدل فحين تتكلم الأيادي تكتب حكاية وطن.

بقلم
أ.د/ مها محمد عبد القادر 
أستاذ أصول التربية 
كلية التربية بنات بالقاهرة - جامعة الأزهر